الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
53
نفحات القرآن
اللَّه ، والتي نجد أحد مصاديقها في قصّة هود في الآية الثامنة من بحثنا : إذ قال له قومه إنّك لم تأتنا بدليل واضح ولن نترك آلهتنا لكلامك هذا ، بل لن نؤمن بك أصلًا ، ونحن نعتقد بأنّ آلهتنا قد غضبت عليك وسلبتك لبك ! لكنّه صمد بجرأة وقال : « إِنِّى أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّى بَرِىءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِى جَمِيعاً ثُمَّ لَاتُنْظِرُونِ * إِنِّى تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّى وَرَبِّكُمْ » . عندما يرى الإنسان شخصاً جاهلًا ومتعصباً ، فيصاب بالذهول والفزع ، فكيف به إذا أراد أن ينهض لمواجهة قوم منحرفين ويحملون كافة الصفات الرذيلة ، وهو لا يملك العُدة والعدد ليتغلب بها عليهم ؟ ! من البديهي إن عملًا كهذا لا يمكن تحققه إلّابواسطة المدد الإلهي ، وهي القوة النابعة من التوكل ، حيث أن التوكل لا يأتي إلّامن الايمان باللَّه سبحانه وتعالى المهيمن على كافة أرجاء العالم . والملفت للنظر هو عدم اكتراث الأنبياء عليهم السلام لتهديدات أعدائهم وعدم إبراز أي رد فعل تجاههم ، بل على العكس كانوا يحتقرون قدرتهم ويعرضونها للاستفهام ويفهمونهم بأنّهم لا يعيرون لكلّ ذلك المجتمع الوثني المعاند أي اهتمام يذكر ، فهذا التوكّل المنقطع النظير هو أحد خصائص الأنبياء عليهم السلام . 9 - الإخلاص المنقطع النظير وصف « المخلص » ورد ذكره في القرآن مرّة واحدة فقط ، وذلك في حقّ موسى بن عمران عليه السلام فقد وصفه بالإخلاص قبل وصفه بالرسالة والنبوّة ، يقول تعالى : « وَاذْكُرْ فِى الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصاً وَكَانَ رَسُولًا نَبِيّاً » . لكن نظراً لما ورد على لسان الشيطان في آيتين من القرآن : « وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الُمخْلَصِينَ » . ( الحجر / 39 - 40 ) ( ص / 82 - 83 ) ولبداهة كون الأنبياء عليهم السلام من الذين يعجز الشيطان عن إغوائهم بأي حال من الأحوال